فخر الدين الرازي

317

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

كونه مريدا ، فقال الحسن النجار : أنه مريد بمعنى أنه غير مغلوب ولا مكره ، وعلى هذا التقدير فكونه تعالى مَرِيداً صفة سلبية ، ومنهم من قال : إنه صفة ثبوتية ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : معنى كونه مريدا لأفعال نفسه أنه دعاه الداعي إلى إيجادها ، ومعنى كونه مريدا لأفعال غيره أنه دعاه الداعي إلى الأمر بها ، وهو قول الجاحظ وأبي قاسم الكعبي وأبي الحسين البصري من المعتزلة . وقال الباقون : كونه مريدا صفة زائدة على العلم ، وهو الذي سميناه بالداعي ، ثم منهم من قال : إنه مريد لذاته ، وهذه هي الرواية الثانية عن الحسن النجار . وقال آخرون : إنه مريد بإرادة ، ثم قال أصحابنا : مريد بإرادة قديمة . قالت المعتزلة البصرية : مريد بإرادة محدثة لا في محله وقالت الكرامية : مريد بإرادة محدثة قائمة بذاته واللَّه أعلم . المسألة الثانية : قالت المعتزلة : دلت الآية على أن تكليف ما لا يطاق لا يوجد لأنه تعالى أخبر أنه ما جعل عليكم في الدين من حرج ، ومعلوم أن تكليف ما لا يطاق أشد أنواع الحرج . قال أصحابنا : لما كان خلاف المعلوم محال الوقوع فقد لزمكم ما ألزمتموه علينا . المسألة الثالثة : اعلم أن هذه الآية أصل كبير معتبر في الشرع ، وهو أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة ، ويدل عليه هذه الآية فإنه تعالى قال : ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] ويدل عليه أيضا قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] ويدل عليه من الأحاديث قوله عليه السلام : « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » ويدل عليه أيضا أن دفع الضرر مستحسن في العقول فوجب أن يكون الأمر كذلك في الشرع لقوله عليه السلام : « ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللَّه حسن » وأما بيان أن الأصل في المنافع الإباحة فوجوه : أحدها : قوله تعالى : خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [ البقرة : 29 ] وثانيها : قوله أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ [ المائدة : 4 ] وقد بينا أن المراد من الطيبات المستلذات والأشياء التي ينتفع بها ، وإذا ثبت هذان الأصلان فعند هذا قال نفاة القياس : لا حاجة البتة أصلا إلى القياس في الشرع ؛ لأن كل حادثة تقع فحكمها المفصل إن كان مذكورا في الكتاب والسنة فذاك هو المراد وإن لم يكن كذلك ، فإن كان من باب المضار حرمناه بالدلائل الدالة على أن الأصل في المضار الحرمة ، وإن كان من باب المنافع أبحناه بالدلائل الدالة على إباحة المنافع ، وليس لأحد أن يقدح في هذين الأصلين بشيء من الأقيسة لأن القياس المعارض لهذين الأصلين يكون قياسا واقعا في مقابلة النص ، وأنه مردود ، فكان باطلا . المسألة الرابعة : قوله وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ اختلفوا في تفسير هذا التطهير ، فقال جمهور / أهل النظر من أصحاب أبي حنيفة رحمه اللَّه : إن عند خروج الحدث تنجس الأعضاء نجاسة حكمية ، فالمقصود من هذا التطهير إزالة تلك النجاسة الحكمية ، وهذا الكلام عندنا بعيد جدا ، ويدل عليه وجوه : الأول : قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [ التوبة : 28 ] وكلمة إِنَّمَا للحصر ، وهذا يدل على أن المؤمن لا تنجس أعضاؤه البتة . الثاني : قوله عليه السلام : « المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا » فهذا الحديث مع تلك الآية كالنص الدال على بطلان ما قالوه . الثالث : أجمعت الأمة على أن بدن المحدث لو كان رطبا فأصابه ثوب لم يتنجس ، ولو حمله إنسان وصلّى لم تفسد صلاته ، وذلك بدل على أنه لا نجاسة في أعضاء المحدث . الرابع : أن الحدث لو كان يوجب نجاسة الأعضاء الأربعة ثم كان تطهير الأعضاء الأربعة يوجب طهارة كل الأعضاء لوجب أن لا يختلف ذلك باختلاف الشرائع ، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك . الخامس : أن خروج النجاسة من موضع كيف يوجب